مما لاشك فيه ان ثمة تعاملا مع المكان ينفرد به الشاعر لا يشبه تعامل الآخرين، فالمكان ليس وعاء يشمل مفردات المكان اذ هو ثنائيات متآلفة ومتخالفة( 1 ) أيضا، إنه الحب والفناء في الحب وإنه المقت والعبث بالآخرين، إنه الحياة وجمالياتها وهو أيضا الموت ومرجعياته، إنه القوة والضعف معا، والأسطورة والمتخيل ! الإنسان والمكان ندّان لهما مشاغل مشتركة ومباهج متقاربة فهما ينموان معا ويصبوان ويشيخان ، يعبثان ويتعانقان وفجأة يتخاصمان فيهجر أحدهما الآخر ليبدأ طقس الآهات والدموع !!أحقا هما حبيبان حميمان أم خصمان لدودان ؟! وهنا تحديدا إشكالية الشاعر ، بل إشكالية الشعر اذ ان أية قصيدة –مهما أوتي شاعرها من حذق- غيرقادرة على مناكفة المكان؟! وهو مايصدق تماما على قصائد مجموعة (القطوف الدواني) للشاعر ابراهيم الحضراني – جمع وتحقيق احمد بن محمد الشامي الصادرة في طبعتها الاولى عن دار المناهل بيروت 1981- اذ انك تكون ازاء بانوراما كبيرة نشهد من خلالها عالم الشاعر ابراهيم الحضراني ضمن نسيج رؤاه وتطلعاته وعبر انزياحات ومجازات مخضلة بندى التجربة والموهبة الفذة نجحت في تأثيث هندسة طريفة للمكان تجيب على تساؤلات قفزت الى ذاكرة التأويل لعل اهمها هو : كيف تعامل الشاعر والمناضل الكبير ابراهيم الحضراني مع المكان ؟ وكيف صاغه داخل فردوسه الشعري المخضل بندى الموهبة والق التجربة ؟ وكلنا يعرف شغف الشاعر الحضراني بالمكان وتعبده في محراب اليمن هذا المكان الذي نذر الشاعر من اجله روحه اولم يقل :
كم تعذبت في سبيل بلادي وتعرضت للمنون مرارا
وانا اليوم في سبيل بلادي ابذل الروح راضيا مختارا (2)
اولم يترنم الاحرار بهذين البيتين لملاقاة السياف لتهون عليهم محنتهم –على حد تعبير الشاعر البردوني- ؟ ، بل اننا نكاد نسمع الاصوات المتدافعة من اجل الوطن وهي ترتل :
حنانيك ياسيف المنية فارجع وياظلة الموت الزؤام تقشعي
ووالله ماخفت المنايا وهذه طلائعها مني بمرأى ومسمعي
ولكن حقا في فؤادي لامتي اخاف اذا مامت من موته معي (3)
اذن لم يكن المكان هو الجغرافية التي يتحرك عليها الفضاء الشعري بل كان الحضراني يحشد عبر المكان رؤاه ومواقفه ازاء الراهن المعاش .فقصائد القطوف الدواني تخبئ عناءات فادحة،لا يمكن قراءتها بسوى العثور على النفق السري الذي يربط بين بؤرتين وجوديتين كبيرتين هما(الشاعر/الوطن ) حتى لتتساءل محللة النص أهي قبالة ذات باتت وطنا !! أم قبالة وطن أصبح ذاتا، وقد يضلل النص قارءه ليقوده في النهاية إلى مفاجآت لم تكن في حسبان حذقه، فالتماهي قائم بين (الذات والوطن) والتضاد ماثل أيضا، والفجوة ملغاة وعميقة معاً، ذلك هو امتياز البوح الذي أسسه النص من خلال(التقرير، التساؤل، الصورة) فها هي قصيدة (ي، م، ن)(4) تطالعنا متشحة بأنين الوطن وهو يواجه معضلة التشطير، وهي ترد على هيئة مناجاة أو بوح متصل تضج به أعماق ذات مفجوعة بانقسامات المكان على نفسه إذ يتناهى إلى أسماعنا صوت الحضراني الغاضب:
يمن قلت فلم يقتنعوا دون ان يتبعها جيم وشين
يمن ياقوم هذي احرف صهرتها في المحاريب قرون
واذا ماشئتمو تبيانها فهي ياء ثم ميم ثم نون
كل حرف ماعداها منكر همجي القصد مشبوه لعين
ان حرف الشين شر وهنا لااطيق الشين والجيم جنون
قسما بل قزما تاريخنا وكلا التقسيم والتقزيم هون
غضبت حمير في مرقدها وشكا عثر واهتزت معين
من اللافت ان المكان يشكل بنية تنغيمية تضيف لايقاعات القصيدة تصعيدا موسيقيا مضافا يلفت الانتباه الى بؤرة النص (اليمن) والمتخيل الشعري يتفنن للترنم بها وهو يعي صيرورة اليمن شطرا شعريا واحدا (فهي ياء ثم ميم ثم نون) بل انه لايطيق فكرة تقسيم جسد المكان فتارة تجدها التقزيم وتارة (لااطيق الشين والجيم جنون)وهو يعني (الجنوب والشمال) لنشهد انفلات المتن من الفضاء الترميزي الى المباشرة والتقريرية وصيرورته خطابا تنويريا - قياسا بتاريخ كتابة النص - يرهص بطلائع الوحدة وينبذ في الوقت نفسه التشطير بكل مسمياته اضف الى ذلك انه يلغي الراهن الذي يشهد التشطير ليعود بالتلقي الى عمق الذاكرة فتجد (حمير)و( عثر) و(معين) ليحيل الى الحضارة التي وحدت المكان والراهن الذي قسمه.
وتحيل قصيدة (كلهم يحدثني عنك) (5) المتخيل على مرجعية تتصل بالشعر منذ وهلته الأولى فالشاعر المبهظ بالفرح أو الحزن الطاغيين لا يقوى بقلبه المتعب احتمال ذلك فيشرك الطبيعة معه، لتقاسمه وطأة الفرح أو الحزن سيان!!، لنكون إزاء تقنية عالية لتوظيف الطبيعة أو اشراكها في مشاغل الشاعر، فالمكان الذي دخله إن هو إلا طلل على نحو ما!فيه رائحة الحب والحبيبة ، تأمل الاتي:
حبك ما اقوى ما اعمقا قد علم الاشياء ان تنطقا
قالت لي الصخرة لاتنسه وكيف انسى حبي الاسبقا؟
والنهر لما جئته مفردا يسألني عن موعد الملتقى
والروض حتى الروض مالم تكن بجانبي ينظرني محنقا
نسمته في مسمعي عاصف وزهره يوشك ان يحرقا
والعطر يأبى كلما رمته من غير انفاسك ان يعبقا
علمت ماحولي حديث الهوى وكيف يضنى قلبي الشيقا
يخلق المتخيل الشعري من ايقاعية بحر السريع (مستفعلن مستفعلن فاعلن) لوحة شعرية تتآزر فيها الوان الطبيعة مع ايقاعاتها مع عطورها ليخلق كرنفالا مجازيا يبقى في المكبوت الشعري الذي يشهد حضور المعشوقة لنستشعر مكابداته ابان غيابها وعبر انسنة لظواهر الطبيعة وامكنتها تحيل الى احساسات الوحشة التي هيمنت على مناخات النص. لاسيما وان صيرورة الصورة السمعية الضاغط الحسي على المتن منذ العنونة (كلهم يحدثني عنك)يؤشر الرغبة في فك دهاليز الصمت والتوق الى استقدام المعشوقة التي يمنح حضورها الطبيعة مباهجها . قد ينسج المخيال الشعري من المكان بنية طللية معاصرة ، لاحظ ماقاله في قصيدة (صمت نجد) (6):
يارفيقي قد مررنا بنجد وهي ملء النهى وملء الخواطر
حيث عشنا تاريخ نجد بطولات كمي وعبقريات شاعر
ليت شـعري مابالها قابلتنا بسكوت ولاسكوت المقابر
لم ترحب بنا مضارب عبس لاولا هش للقري حي عامر
قد رضــينا بما رأينا وبالعلم اكتفينا ومالعليم بخاسر
يشحذ المتن ذخيرة التلقي ليعيد الى ذاكرته الهندسة الطللية للقصيدة العربية وعبر استدعائه خطاب الاخر (رفيق الرحلة والراحلة) .وتشغيله لزمنين هما الماضي المترع بالكرم والنخوة المستجلب من الذاكرة المعجمية لـ (مضارب عبس) و (حي عامر ) المكتنزة بثقافة الفروسية العربية والراهن المادي المرمد (مابالها قابلتنا بسكوت ولاسكوت المقابر) . الا ان الحضراني يخطف هذه البنية من كونها بكائية على المكان الى الاقتناع بت

























علي حسن الفواز