ابراهيم الحضراني وثقافة المكان :وجدان الصائغ

يوليو 13th, 2009 كتبها فوضى نشر في , طائرات من ورق

مما لاشك فيه ان ثمة تعاملا مع المكان ينفرد به الشاعر لا يشبه تعامل الآخرين، فالمكان ليس وعاء يشمل مفردات المكان اذ هو ثنائيات متآلفة ومتخالفة( 1 ) أيضا، إنه الحب والفناء في الحب وإنه المقت والعبث بالآخرين، إنه الحياة وجمالياتها وهو أيضا الموت ومرجعياته، إنه القوة والضعف معا، والأسطورة والمتخيل ! الإنسان والمكان ندّان لهما مشاغل مشتركة ومباهج متقاربة فهما ينموان معا ويصبوان ويشيخان ، يعبثان ويتعانقان وفجأة يتخاصمان فيهجر أحدهما الآخر ليبدأ طقس الآهات والدموع !!أحقا هما حبيبان حميمان أم خصمان لدودان ؟! وهنا تحديدا إشكالية الشاعر ، بل إشكالية الشعر اذ ان أية قصيدة –مهما أوتي شاعرها ‍‍‍‍‌من حذق- غيرقادرة على مناكفة المكان؟! وهو مايصدق تماما على قصائد مجموعة (القطوف الدواني) للشاعر ابراهيم الحضراني – جمع وتحقيق احمد بن محمد الشامي الصادرة في طبعتها الاولى عن دار المناهل بيروت 1981- اذ انك تكون ازاء بانوراما كبيرة نشهد من خلالها عالم الشاعر ابراهيم الحضراني ضمن نسيج رؤاه وتطلعاته وعبر انزياحات ومجازات مخضلة بندى التجربة والموهبة الفذة نجحت في تأثيث هندسة طريفة للمكان تجيب على تساؤلات قفزت الى ذاكرة التأويل لعل اهمها هو : كيف تعامل الشاعر والمناضل الكبير ابراهيم الحضراني مع المكان ؟ وكيف صاغه داخل فردوسه الشعري المخضل بندى الموهبة والق التجربة ؟ وكلنا يعرف شغف الشاعر الحضراني بالمكان وتعبده في محراب اليمن هذا المكان الذي نذر الشاعر من اجله روحه اولم يقل :
كم تعذبت في سبيل بلادي وتعرضت للمنون مرارا
وانا اليوم في سبيل بلادي ابذل الروح راضيا مختارا (2)
اولم يترنم الاحرار بهذين البيتين لملاقاة السياف لتهون عليهم محنتهم –على حد تعبير الشاعر البردوني- ؟ ، بل اننا نكاد نسمع الاصوات المتدافعة من اجل الوطن وهي ترتل :
حنانيك ياسيف المنية فارجع وياظلة الموت الزؤام تقشعي
ووالله ماخفت المنايا وهذه طلائعها مني بمرأى ومسمعي
ولكن حقا في فؤادي لامتي اخاف اذا مامت من موته معي (3)
اذن لم يكن المكان هو الجغرافية التي يتحرك عليها الفضاء الشعري بل كان الحضراني يحشد عبر المكان رؤاه ومواقفه ازاء الراهن المعاش .فقصائد القطوف الدواني تخبئ عناءات فادحة،لا يمكن قراءتها بسوى العثور على النفق السري الذي يربط بين بؤرتين وجوديتين كبيرتين هما(الشاعر/الوطن ) حتى لتتساءل محللة النص أهي قبالة ذات باتت وطنا !! أم قبالة وطن أصبح ذاتا، وقد يضلل النص قارءه ليقوده في النهاية إلى مفاجآت لم تكن في حسبان حذقه، فالتماهي قائم بين (الذات والوطن) والتضاد ماثل أيضا، والفجوة ملغاة وعميقة معاً، ذلك هو امتياز البوح الذي أسسه النص من خلال(التقرير، التساؤل، الصورة) فها هي قصيدة (ي، م، ن)(4) تطالعنا متشحة بأنين الوطن وهو يواجه معضلة التشطير، وهي ترد على هيئة مناجاة أو بوح متصل تضج به أعماق ذات مفجوعة بانقسامات المكان على نفسه إذ يتناهى إلى أسماعنا صوت الحضراني الغاضب:
يمن قلت فلم يقتنعوا دون ان يتبعها جيم وشين
يمن ياقوم هذي احرف صهرتها في المحاريب قرون
واذا ماشئتمو تبيانها فهي ياء ثم ميم ثم نون
كل حرف ماعداها منكر همجي القصد مشبوه لعين
ان حرف الشين شر وهنا لااطيق الشين والجيم جنون
قسما بل قزما تاريخنا وكلا التقسيم والتقزيم هون
غضبت حمير في مرقدها وشكا عثر واهتزت معين
من اللافت ان المكان يشكل بنية تنغيمية تضيف لايقاعات القصيدة تصعيدا موسيقيا مضافا يلفت الانتباه الى بؤرة النص (اليمن) والمتخيل الشعري يتفنن للترنم بها وهو يعي صيرورة اليمن شطرا شعريا واحدا (فهي ياء ثم ميم ثم نون) بل انه لايطيق فكرة تقسيم جسد المكان فتارة تجدها التقزيم وتارة (لااطيق الشين والجيم جنون)وهو يعني (الجنوب والشمال) لنشهد انفلات المتن من الفضاء الترميزي الى المباشرة والتقريرية وصيرورته خطابا تنويريا - قياسا بتاريخ كتابة النص - يرهص بطلائع الوحدة وينبذ في الوقت نفسه التشطير بكل مسمياته اضف الى ذلك انه يلغي الراهن الذي يشهد التشطير ليعود بالتلقي الى عمق الذاكرة فتجد (حمير)و( عثر) و(معين) ليحيل الى الحضارة التي وحدت المكان والراهن الذي قسمه.
وتحيل قصيدة (كلهم يحدثني عنك) (5) المتخيل على مرجعية تتصل بالشعر منذ وهلته الأولى فالشاعر المبهظ بالفرح أو الحزن الطاغيين لا يقوى بقلبه المتعب احتمال ذلك فيشرك الطبيعة معه، لتقاسمه وطأة الفرح أو الحزن سيان!!، لنكون إزاء تقنية عالية لتوظيف الطبيعة أو اشراكها في مشاغل الشاعر، فالمكان الذي دخله إن هو إلا طلل على نحو ما!فيه رائحة الحب والحبيبة ، تأمل الاتي:
حبك ما اقوى ما اعمقا قد علم الاشياء ان تنطقا
قالت لي الصخرة لاتنسه وكيف انسى حبي الاسبقا؟
والنهر لما جئته مفردا يسألني عن موعد الملتقى
والروض حتى الروض مالم تكن بجانبي ينظرني محنقا
نسمته في مسمعي عاصف وزهره يوشك ان يحرقا
والعطر يأبى كلما رمته من غير انفاسك ان يعبقا
علمت ماحولي حديث الهوى وكيف يضنى قلبي الشيقا
يخلق المتخيل الشعري من ايقاعية بحر السريع (مستفعلن مستفعلن فاعلن) لوحة شعرية تتآزر فيها الوان الطبيعة مع ايقاعاتها مع عطورها ليخلق كرنفالا مجازيا يبقى في المكبوت الشعري الذي يشهد حضور المعشوقة لنستشعر مكابداته ابان غيابها وعبر انسنة لظواهر الطبيعة وامكنتها تحيل الى احساسات الوحشة التي هيمنت على مناخات النص. لاسيما وان صيرورة الصورة السمعية الضاغط الحسي على المتن منذ العنونة (كلهم يحدثني عنك)يؤشر الرغبة في فك دهاليز الصمت والتوق الى استقدام المعشوقة التي يمنح حضورها الطبيعة مباهجها . قد ينسج المخيال الشعري من المكان بنية طللية معاصرة ، لاحظ ماقاله في قصيدة (صمت نجد) (6):
يارفيقي قد مررنا بنجد وهي ملء النهى وملء الخواطر
حيث عشنا تاريخ نجد بطولات كمي وعبقريات شاعر
ليت شـعري مابالها قابلتنا بسكوت ولاسكوت المقابر
لم ترحب بنا مضارب عبس لاولا هش للقري حي عامر
قد رضــينا بما رأينا وبالعلم اكتفينا ومالعليم بخاسر
يشحذ المتن ذخيرة التلقي ليعيد الى ذاكرته الهندسة الطللية للقصيدة العربية وعبر استدعائه خطاب الاخر (رفيق الرحلة والراحلة) .وتشغيله لزمنين هما الماضي المترع بالكرم والنخوة المستجلب من الذاكرة المعجمية لـ (مضارب عبس) و (حي عامر ) المكتنزة بثقافة الفروسية العربية والراهن المادي المرمد (مابالها قابلتنا بسكوت ولاسكوت المقابر) . الا ان الحضراني يخطف هذه البنية من كونها بكائية على المكان الى الاقتناع بت

المزيد


ينقشُ في الأمواجِ ويحلّقُ مع سربِ حمامٍ بارد

يوليو 3rd, 2009 كتبها فوضى نشر في , طائرات من ورق

بقلم: عائشة الحطّاب

كيفَ لي أنْ أعيشَ في هذهِ البُرهةِ، وأرى أيَّ شجنٍ يمتلكُ الرّوحَ، ويشدُّ بأصابعهِ على حَنجرةِ الشّاعرِ حينَ ينسابُ الشّعرُ عفويًّا؟! أيّةُ كلمةٍ قادرةٍ على أنْ تَختزلَ في جَنباتِها كلَّ هذهِ الأطيافِ القُزحيّةِ الملوّنةِ؟! كيفَ لي أنْ أفتحَ أبوابَ الخيالِ على كلِّ هذهِ الكلماتِ السّاحرةِ أمامَ مرئيّاتِ البصرِ الدّاخلي؟! كيفَ لي أنْ أكتبَ عنْ هذهِ الأبجديّةِ الشّعريّة؟!
أعودُ، كلَّ مرّةٍ، بدهشةِ الاكتشافِ، وروحِ الإعجابِ بهذا الامتدادِ الرّائعِ لجوهرِ الكتابةِ المضاءةِ بأنوارِها المعرفيّة، والتي تُشِعُّ علينا في سياقٍ حضوريٍّ لشخصٍ عرفَ كيفَ يدخلُ باستعارةٍ مستمدّةٍ من العملياتِ الإدراكيّةِ لأتساءلَ هنا:
هلِ الشّاعرُ مجنونٌ، أمْ عقلٌ متهيّجٌ ومخيّلةٌ غريبةٌ، تمكّنهُ من رؤيةِ ما لا يراهُ العقلُ الهادئُ؟ هلْ يعيشُ نوبات جنونٍ كي يبدعَ، وينقلَ بصرَهُ منَ السّماءِ إلى الأرضِ، وهوَ بالكادِ يستطيعُ أنْ يجسّدَ ويخلقَ من لا شيءٍ شيئًا؟
هنا سأدخلُ في مدارِ الرّحيقِ، وفي عمقِ الرّوحِ المائيّةِ، لأتوقّفَ هنا كثيرًا لأجدَ هذهِ المرأةَ/ الأنثى تسكبُ صوتَ غنائِها العفويّ؛ إنّها النّسمةُ الرّقيقةُ التي داعبتِ الرّيحَ.
"أَتَتَبَّعُ قِنْدِيلَكَ فِي بَاطِنِ كَفَّيَّ
أَمُجُّ ذُبَالَةَ زَيْتِ الْوَقْتِ
تَوَقَّفْ فِي بَهْوِ الرَّوْحَةِ
كُنْ
عَطِرَ الدَّمْعِ
ضَرِيرَ الْقَسْوَةِ
مَأْلُومَ الْبُعْدِ"
ينسابُ الماءُ الشّعريُّ هنا بعدَ كلِّ هذا التّعب. كيفَ توقّفَ في بهوِ الرَّوحِ؟ وكيفَ اكتشفَ أنّ عطرَ الدّمعِ مطرٌ رائعٌ؟ أيّةُ عيونٍ كانت تروي ظمَأه؟
"أَشُدُّكَ نَحْوَ قِرَاحِ الرَّاحِ
اِشْرَبْ
يَتَشَاعَلُ فَحْمُ الْوَرْدَةِ مِنْ رِيقِ الْقُبْلَةِ"
كمْ منَ الأحبّةِ اجتمعوا حولَ ذُبالةِ فانوسٍ ينوسُ مفتوحًا على فضاءٍ بلا حدود! وحدَها الكلماتُ كانت تنيرُ ظلمةَ المكان.
"بِصَفَحِاتِ شَغَفٍ
وَتَوَهَانِ قِنْدِيلِي
أَقْرَأُ كِتَابَهَا الْجَسَدَ
بِأُمِّيَّةِ ارْتِبَاكِي."
هنا الكلماتُ قلاعٌ شفيفةٌ، وهنا شاعرٌ/عاشقٌ ينتظرُ مطرًا، وما زالتِ النّظرةُ في مَرمى البصرِ والقلبِ والجسد، والصورةُ هنا ليستْ إلا إحساسًا خافتًا. هنا لا يتحدّثُ الشّاعرُ بطريقةٍ عاديّةٍ، بلْ من أبعادِ أعماقهِ العالية.
أدخلُ في الفضاءاتِ الواسعةِ وأحلّقُ عاليًا؛ عليّ أنْ أدخلَ الصّورةَ بجوهرِها الباطن، وأحرّكُ الخيالَ لكي أصلَ إلى نظرةٍ محقّقةٍ ومتطوّرةٍ باستمرار. بحثتُ في الآثارِ المكثَّفةِ لشاعرٍ عرفَ كيفَ يدركُ الصّورةَ الشّعريّة، وكيفَ يتناولُ العمقَ بعمقٍ وهو في عزلتهِ وأمامَ كتبِه، وكلُّ هذا كانَ في تفاعلٍ رائعٍ لخلقِ نصوصٍ شعريّةٍ تطيرُ عاليًا على بساطٍ من الرّيح. لقد أتقنَ الشّاعرُ السّباحةَ في فضائهِ الخاص، وخلقَ آثارًا ذاتَ أبعادٍ شاسعة، حيثُ كان واعيًا بقيمةِ كلمتِه، واثقًا من عبقريّةِ صُوَرِهِ شديدةِ الاعتداد، مؤمنًا بعظمةِ الرُّوحِ الإنسانيّة، ومدركًا القوةَ بعودتِه حاملاً كلماتِ الرّبيعِ الحافلِ بالرّؤى.
وضعَ الجسدَ (بينَ قوسينِ)، وأخطرُ المرئيّاتِ هو الجسد. إنّه المثَالُ بين الذّاتِ والعالم، وهو الوساطةُ الكونيّةُ الضّروريّةُ بين الرّوحِ والأفكار، والتي من خلالها يريدُ تأمَّلَ الذّاتِ لتعكسَ التّمثّلاتِ، وترسُمَ التّمجيدَ لهذا الجسد. سِجْنهُ في فضاءٍ معرفيّ لا يضيقُ به، فهو لا يملكُ غيرَ هذا الشّعورِ المُضني، ويدركهُ في ذاتهِ أولاً، ومن ثمّ في الآخرين.
قدّمَ شعرَهُ كروحٍ خالصة، وانحازَ إلى نصوصهِ بكلِّ ما أُوتيَ من جهدِ الحوارِ النّسقي. هنا نجدُ الشّاعرَ قد أبحرَ في القصيدةِ الحداثيّةِ، حيث احتفظَ بأسلوبيّةٍ متميّزةٍ بالكثافةِ والإيجازِ (المكثّف اللُّغوي) ثمّ (الموجزُ اللُّغوي)، ومنَ النّثرِ الفلسفيِّ إلى الانسجامِ اللَّفظيِّ بين المغالاةِ البلاغيّةِ والعاطفيّةِ والغزارةِ والتّنامي، في نبراتٍ عميقةٍ بإيقاعِها المسهبِ بعمقِها الدّرامي. إنّها صورٌ بأفكارٍ سريعةٍ مكثّفة، جزئيّةٍ أو كونيّةٍ، ومضاءةٍ ببساطتِها وعفويّتِها كأنّها بريقُ ذاتِها. هذهِ الكتابةُ الجديدةُ في رحيقِها، وهذهِ الرّيشةُ الرّاقصةُ بمِدادِها تقولُ، فيما تقولُ، إنّ غايتَها القصوى أنْ تتجاوزَ الشّعرَ ذاتَه.
إنّهُ يشتعلُ شعرًا تحتَ ضَوءِ القلبِ، وقد غَرِقَ في أفكارٍ بعيدةٍ، في أصقاعَ بعيدةٍ، وفي صمتٍ يَفلَتُ من صميمِ قَلبِه. ينهضُ من عزلتهِ كلَّ صباحٍ متأجّجًا وقويًّا كشمسٍ صباحيّةٍ تطلعُ من جبالِ العتمةِ.
حَلُمَ أنْ يسيرَ بمركبٍ محاطًا بالطّيورِ تُحلّقُ حولَه. أغمضَ عينيهِ، وأعطى للبحرِ الجائعِ شعرًا، كأنّ الشّعراءَ أنفسَهم يأتونُ من البحر. هناكَ الكثيرُ من الأشياءِ بين السّماءِ والأرضِ، وحدَهم الشّعراءُ حَلِمُوا بها، خصوصًا تلكَ التي تتماوجُ في الفَضاء.
لمْ يتوغّل بكتابةِ الألم. يقول:
"لا أكتبُ في وقتِ الألم، لأنّه مدى لحظاتٍ ساخنةٍ وكاوية، فكيفَ يُمكِن الشّعرُ في وقتٍ كهذا، خصوصًا وأنّ هذا الوقتَ خارجٌ عن نطاقِ التّأملِ الشّعري، وخارجٌ عن نطاقِ الإبداعِ وديمومته؟!"
عاشَ التّمرّدَ كَمِثلِ الذي يطحنُ القمحَ ويجعلُه غبارًا أبيض، فمَن سيظنُّ أنّ غبارَه يأتي من القمحِ في بهجةِ الرّبيع المذهّب؟! سارَ فوقَ عينيهِ، وفوقَ رأسِه قربَ الجدارِ المتداعي تحتَ أَكَمَةِ الأشواكِ والخَشخاشِ. عاشَ أيّامَ قلقٍ عصيبةٍ في ظلِّ الحصارِ العدواني. ظامئًا أتلَفهُ عطشُهُ ليروِيَهُ من ثديِ الضّياء. طويلاً جلسَ مع نفسِه جائعًا محاصرًا، وحاملاً عناءَ الأرضِ في عينيهِ. يرتجفُ مع برعمِ الوردةِ. يفرطُ في الرّقة. يسمحُ لنفسِه بالرّكض فوقَ ذاتِه.
لا تتّسعُ مساحةُ التّخيّلِ عندَ الشّاعرِ محمّد حلمي الرّيشة، فضَوءُ كلماتِه يكلّمُ كلّ ما هو مُعتم. هو مثلُ شلالٍ في سقوطِه. لغةُ الشّعرِ فيهِ متفجّرةٌ تتبركنُ في داخلِه، وحينَ تقرؤهُ تجدهُ رزينًا، ووديعًا، وعميقًا، واحتفاليًّا.
نقرأُ هنا كيميائيّةَ المرأةِ/الأنثى بأيّةِ قوّةٍ تئنُّ، فمَنْ منّا يرغبُ أنْ يكونَ الآنَ في الخارج؟ جيّدٌ أنْ نكونَ الآنَ هنا نستمتعُ بارتعاشِ الكلمةِ/ الشّعرِ. يقول:
"لَمْ تَكُنْ أَوَانَ حَدِيقَةٍ
كَانَتْ مُوسِيقَا عِطْرٍ
اسْتَسْلَمَ دَائِخًا
لِحَفِيفِهِ الْفَاتِنِ."
كيفَ يُمكِنُ أنْ نخمّنَ ما حدثَ داخلَ الشّاعرِ بعدَ انتصافِ اللّي

المزيد


شاكر لعيبي الكتابة الشعرية بوصفها مغامرة.

مارس 30th, 2009 كتبها فوضى نشر في , طائرات من ورق

علي حسن الفواز
ينحني الشاعر شاكر لعيبي على نوع من الاشتغال الشعري المفتوح على مناطق شائقة، مناطق تحرضه على المزيد من اكتشاف ما حوله. اسرار المكان، الصورة، التفاصيل، اللغة، الكائن..

هذا الاشتغال محمول على هاجس المغامرة الشعرية بوصفها نزوعا للتمرد والنفور عن البداهات، وباعتبارها جزءا عميقا وقارا في وعيه الشعري الشكاك والقلق، وعيه الذي لايطمئن الى كآبته اليومية، وزيف ما يحوطه. اذ هو يرهن قصدية هذا الوعي في ارتكاب المزيد من المغامرة، مثلما يرهن اسئلته الى غواية سافرة، متوغلة، قلقلة تدفعه الى لجة التمرد، الى اصطخاب ما يفترضه من رؤى، تلك الرؤى التي تواجه الاحتمال دائما.
هذا الانجذاب الى الرؤيوي، الى استمراء لعبة المكاشفة و(التغامر فيها وحولها) وربما النزوع الى الفضح هو مايدفعه الى ادراك ان حيوية المغامرة تكمن في الافراط في التجريب وعدم مساكنة ماهو مبذول في التاريخ وعلى الطرق!! ليس باتجاه المتاهة او اللاجدوى بقدر ماهو نزوع قصدي للانسان العارف، المبصر، المتسائل، الذاهب بعيدا في انتهاك سطوح الغفلة والعطالة والتراكم غير المجدي، اذ ما انفك الشاعر اصطناع موجهات سؤاله الشعري ليكون مجسا، تحسسا، اكتشافا، صدمة، تلك التي تبصر صيرورتها من خلال لعبة الوعي ذاته كما يقترحها الظاهراتيون، الوعي الذي يقف ازاء تاريخ طويل وصاخب ومضلل من الانزياحات، وحين يزعم الشاعر انه قد امتلك هذه الرغبة في التخارج عليه، فهذا يعني تراجعه الى داخل القصيدة، استغوار جوانيتها، تاملها والوقوف عند حريتها، تحديقها، مايصله الكشف بها الى مناطق لها فداحة ما تتركه الرؤيا، ولها قوة مايباشره الحضور من تصريح. هذا الانحياز الى القصيدة، هو الاكثر ايثارا في تحريضه على تأمل تركيبها الشعري الصياغي، معاينة وظيفة الشكل فيها، وبما يجعله اكثر تصريحا ب(المفكر فيه) اشهارا، اذ تكون الكتابة الشعرية اعلانا بائنا، صناعة مصممة، قصدية ظاهراتية، يلج فيها عبر ما يستغرقه من وعي، وما يحفزه من ملل، وسأم، ونفور، وعبر مايؤلفه في وعيه من اشتغالات ينبغي ان تثير الكثير من الاسئلة.
في هذا السياق يبدو الشاعر شاكر لعيبي شاعرا مغامرا، لايمكن المرور

المزيد


وفاء عبد الرزاق تكتب لطفل الحرب مذكراته :حسين ابو سعود

مارس 26th, 2009 كتبها فوضى نشر في , طائرات من ورق

ان الكثير من الاعمال الادبية تحوي مفاهيم مختلفة تبدو متراصة باحكام دون ان يتعمد الكاتب ذلك فالاعمال التلقائية تفوق في جمالها وبنائها الاعمال المفتعلة او تلك التي يخطط لها الكاتبمسبقا واضعا في ذهنه خطوطا عريضة للعمل لا يتجاوزها، وديوان مذكرات طفل الحرب هو احد هذه الاعمال التلقائية التي لا تكلف فيها ولا تصنع وهي تزدحم بمنعطفات الدهشة ، والاسترسال في قراءة النصوص تجعل القارئ على طريق حصاتها مزيج من معرفة واكتشاف ومعاناة والم.
الهواء، الهواء /من قال ان الهواء متعة اليتيم ؟/هذا الطموح المكابر/لمخلوق مثلي/يحمل الدخان ويشد ازري/بالقرب من شجرة صافنة/الاصفاد لها اشكال اخرى / لربما واجهات منازل/تحلم باقدار تعيدها الى هيئتها السابقة.
وانا حينما اقرأ لم اتعود ان انظر الى صاحب النص رجلا هو ام امراة ولا أميل كثيرا الى التصنيف الرجالي والنسائي في الشعر وانما انظر الى التص مباشرة ، واتحسس ما يثيره من المكامن الخفية وقد وجدت ان نصوص وفاء عبد الرزاق تتقن الدخول المباشر الى النفس وقادرة على ايجاد التأثيرات المطلوبة فيها.
الطفولة نهر عذب لا يتوقف عند الصخور او الانحناءات ، والطفولة احيانا من فرط طيبتها وبساطتها لا تفرق بين الحزن والفرح، اذن من يؤرخ للطفولة ، من يكتب مذكراتها لاسيما مذكرات ذلك الطفل الذي يلهث بحثا عن ملجأ يحمي فيه جسده الصغير من شظايا القنابل وسطوة الصواريخ ، ثم من يفكر بالطفل في اهوال الحرب ؟ فالحرب لها جلال ولها آثار ولها طقوس ومن اهم طقوسها الانشغال بالنفس ليس من باب الانانية بل انها طبيعة وغريزة.
لقد تصدت الشاعرة وفاء عبد ارزاق لهذا العمل وكتبت نيابة عن الطفل مذكراته في الحرب ، وكأني بها تجلس على الارض مع الطفل الخارج من الحرب تمسح عن جبينه آثار اليتم واتربة البيوت المهدمة والفزع الساكن في عينيه تجهز له طعاما من حنان ودفء وتستنطقه لتكتب له مذكراته ،ومن هنا ننجر الى الجانب الانساني لدى هذه الشاعرة الانسانة ولنعلم كم تحمل في قلبها من نكران للذات ومحبة للاخرين لاسيما للاطفال كشريحة تحتاج الى الحنان ن ولمن لا يعرف وفاء عبد الرزاق أقول ان فيها من الطفولة صفاءها ونقاءها وعفويتها وبساطتها ، ثم هي على ارض الواقع سفيرة لثقافة الطفل اليتيم ، وعلاقتها بالطفولة بدأت ولم تنته.
هي في هذه المجموعة تعود طفلة تتذكر جدتها وامها وقصصهما لتعيد حكايتها للاطفال ، والطفل لا ينسى ولن ينسى اهوال الحرب ومشاكل الاسرة وصور الحرمان وهو في احسن حالاته وان عاش في المدن المرفهة يخاف النوم وحيدا.
لاني اخاف النوم وحيدا /تذكرت قصص جدتي /التي علمتني ان انسج قلبي اجنحة/ نفسي سكنى ، وصدري نافذة/واخبرتني ان الضوء ليس له مزلاج.
ان الحرب عندما يخلف جراحا واعاقات فانها عند وفاء تخلف شعرا يمتد الى مسافات زمنية اكثر من اثر الجراح وترسم هنا صورة تكاد تكون ناطقة ، صورة كأنها تمثل على مسرح منير
لا ياسمين في شرايين النهر /لا نهر في جيوب اولاد الحارة / خرجت اغيض براعم تلعب الغميضة /انه اللعب ، انه اللعب يا اطفال /شقاوة ملطخة بدشاديشكم.
فهي عندما تقول :(اجلس بأدب ياولد وأمشي مرفوع الرأس) تختزل كل ما تريده الام من الولد مقابل تضحياتها ، تريده ان يكون شيئا ، رقما مضاعفا وليس مجرد هامش تتخطاه الاحداث ، تريده حياة وتفكير وتطلع وحب اكتشاف ولا تريده ان يكبر وتكبر معه القسوة فيفجر ويدمر دون ان يوخزه ضمير ، يفعل كل ذلك مرة باسم الطائفية ومرة باسم القومية والحزبية و و و .
تلك الرصاصة التي /ستصبح اسرتي القادمة /حقا لست بحاجة / الا لمزاج الدوي.
هي تخاف من هذه النهاية ، تريد ان توقف المسير نحو هكذا نهاية لانها مقلقة ، فهذا الكائن الصغير سيتحول غدا الى كائن كبير يؤثر ويتأثر ويغير العالم نحو الافضل او نحو الاسوأ.
سيقرأون في كتب التراب / عن اطفال وعن اغلفة الرصاص/ابتنوا لهم بيوتا
والشاعرة في قصيدة (امرأة واحدة لا تكفي ) تختلق صورا مدهشة وتغرقها في اللامعقول فتنبثق منها لوحات يقطر منها اللون والطعم والرائحة ، وتصور هاجس الرجل عندما يبحث عن المرأة وهاجس المرأة عندما تبحث عن رجل ولا غنى لاحدهما عن الاخر .
من دون قلم يشاكس اوراقي /او استئذان حائط مغفل /تحت شجرة لا فصول لها / جلست على فؤاد التراب /اكتب باصابعي عن مدرسة تعرت للهواء /وانتقي من النجوم امراة واحدة / تتسع لمناخ استهزائي ببطاقة رعناء .
واذا التقى الرجل والمراة تبدأ بينهما المد والجزر وكانهما نقيضان فتظل علاقتهما متوترة
احاول ان ارسم فيه / اوزة تهرب من ذكر يلاحقها / او حمامة يجلس الشباك بحضنها /احاول ان اثقب الريح / لارسم لمدرستي بابا .
انه اللجام الذي يعيق الفرس الجموح من الانطلاق، يعيق الانسان الطموح، فعالم هذا الطفل الذي يكتب المذكرات مغلق يحتاج الى باب وذكرياته بلا اذرع:
ايكفي ان اقول / باقة الورد تغري الالوان /ام الرغيف يعري الدنيا من ملابسها .
فالشاعرة هنا تضع مؤشرا دقيقا على سبب بلاءات الدنيا وهو الرغيف والطعام.
ولعل من مهام الشاعر الرئيسية اجترار الذكريات وتصويرها بطريقة تستجلب الدموع حتى تتحول تلك الجماليات الطفولية الى عذابات لاسعة، اذ ان كل ما في حياتنا ورق حتى القارب الذي نسير فيه ورق .
قاربي الورقي يجدف بالموت /غيمات بلعن ارياقهن/ قاربي الورقي لم يرفع رأسه عاليا /لان الطير بلا اجنحة / والنخيل اعقاب سجائر.
وهل مصير اعقاب السجائر الا الرمي ، وتجار الحروب قد اقتلعوا النخيل من مدينة النخيل دون ان يعرفوا لها قدرا ، ولقد قاموا باقتلاع النخيل امام اعين الشعراء

المزيد


التالي