شاكر لعيبي الكتابة الشعرية بوصفها مغامرة.

كتبهافوضى ، في 30 مارس 2009 الساعة: 20:51 م

علي حسن الفواز
ينحني الشاعر شاكر لعيبي على نوع من الاشتغال الشعري المفتوح على مناطق شائقة، مناطق تحرضه على المزيد من اكتشاف ما حوله. اسرار المكان، الصورة، التفاصيل، اللغة، الكائن..

هذا الاشتغال محمول على هاجس المغامرة الشعرية بوصفها نزوعا للتمرد والنفور عن البداهات، وباعتبارها جزءا عميقا وقارا في وعيه الشعري الشكاك والقلق، وعيه الذي لايطمئن الى كآبته اليومية، وزيف ما يحوطه. اذ هو يرهن قصدية هذا الوعي في ارتكاب المزيد من المغامرة، مثلما يرهن اسئلته الى غواية سافرة، متوغلة، قلقلة تدفعه الى لجة التمرد، الى اصطخاب ما يفترضه من رؤى، تلك الرؤى التي تواجه الاحتمال دائما.
هذا الانجذاب الى الرؤيوي، الى استمراء لعبة المكاشفة و(التغامر فيها وحولها) وربما النزوع الى الفضح هو مايدفعه الى ادراك ان حيوية المغامرة تكمن في الافراط في التجريب وعدم مساكنة ماهو مبذول في التاريخ وعلى الطرق!! ليس باتجاه المتاهة او اللاجدوى بقدر ماهو نزوع قصدي للانسان العارف، المبصر، المتسائل، الذاهب بعيدا في انتهاك سطوح الغفلة والعطالة والتراكم غير المجدي، اذ ما انفك الشاعر اصطناع موجهات سؤاله الشعري ليكون مجسا، تحسسا، اكتشافا، صدمة، تلك التي تبصر صيرورتها من خلال لعبة الوعي ذاته كما يقترحها الظاهراتيون، الوعي الذي يقف ازاء تاريخ طويل وصاخب ومضلل من الانزياحات، وحين يزعم الشاعر انه قد امتلك هذه الرغبة في التخارج عليه، فهذا يعني تراجعه الى داخل القصيدة، استغوار جوانيتها، تاملها والوقوف عند حريتها، تحديقها، مايصله الكشف بها الى مناطق لها فداحة ما تتركه الرؤيا، ولها قوة مايباشره الحضور من تصريح. هذا الانحياز الى القصيدة، هو الاكثر ايثارا في تحريضه على تأمل تركيبها الشعري الصياغي، معاينة وظيفة الشكل فيها، وبما يجعله اكثر تصريحا ب(المفكر فيه) اشهارا، اذ تكون الكتابة الشعرية اعلانا بائنا، صناعة مصممة، قصدية ظاهراتية، يلج فيها عبر ما يستغرقه من وعي، وما يحفزه من ملل، وسأم، ونفور، وعبر مايؤلفه في وعيه من اشتغالات ينبغي ان تثير الكثير من الاسئلة.
في هذا السياق يبدو الشاعر شاكر لعيبي شاعرا مغامرا، لايمكن المرور على تجربته بصمت وسط خداع نقدي كبير، فيه الكثير من التنظير المغشوش، وفيه الكثير من الموت. يكشف عن نزوعه في التحقق الشعري عن قوة عميقة الاثر للشعرية، ويضع عبر لعبته في اماطة عري القصيدة الكثير من اكتشافاته لخطايا قمصانها القديمة، بدءا من قميص راحيل ويعقوب وانتهاء بقميص السياب. هذه المعاينة ليست شكلية ظاهرة بالتمام، بقدر ما انها محاولة في استدراج نوع من(التشكل) الواعي الى القصيدة، التشكل الصوتي/الايقاعي، والتشكل البصري الخارق لاوهامنا في الانصات والذي يضعنا عند افق شهواني للانتظار..
فهل كان شاكر لعيبي يدرك تماما ماتؤول اليه مغامرته؟ وهل ان كتابته تلك هي رثاء للقصيدة التقليدية(يصر الشاعر على تجاوزها) كما يقول والتي انهكتها العائلة تماما؟ وهل ان بحثه في الشكل هو بحث عن وظيفة اخرى لها في الوجود، وفي داخل النص الشعري، وربما محاولة في اجتراح لذة طاعنة لما يكتشفه، اذ لاتوجد كتابة بدون لذة؟
هذه الاسئلة بدت اكثر اثارة مع صدور كتابيه الشعريين (الحجر الصقيلي)و(عقيق مصري) بحدود ما اقترحته مغامرته من جدل عاصف في التجريب وحول ما اثارته من اسئلة ازاء سياق مختلف للكتابة التي اختارها الشاعر عبر مقترح كتابة قصيدة نثر بقافية، والتي وجدها البعض بانها اجتهاد او تنظير غائم وملتبس وغير دقيق في التعاطي مع اشكالات التجديد والتجريب في الكتابة الشعرية، وربما نظر اليها البعض على انها نوع من الايهام بالتجريب كما سماها سعدي يوسف..
وضع الشاعر في مقدمة كتابه الشعري الاول (ملخص لنقود سريعة) احتفت واختلفت مع مغامرة الشاعر، استهلها بقول ادونيس(كل نثر يقفى أو يدخل به الوزن يقع في تصنيف السجع، والسجع عند العرب غير مستلطف إجمالاً) وطبعا هذا القول فيه الكثير من العمومية التي لم يكن متن الكتاب الشعري الاّجزءا من اشاراتها. ولعل اكثر من نعتها بالمجانية والتسطيح والسذاجة كان الناقد حاتم الصكر الذي يبدو لي انه كان مغاليا في موقفه وفي رؤاه، اذ ان الكتاب لايمثل دعوة لالغاء غيره من انماط الكتابة، بقدر ما يحمل مقترحا للكتابة، بيانا لاستعادة الصوت الى القصيدة، فضلا عن ان صاحبها يملك رصيدا مهما في المنجز الواضح في الكتابة الشعرية وفي تجريباتها المتعددة.
الحديث عن قصيدة النثر يعني الحديث عن اشتغالاتها واجراءاتها، وليس الحديث عن تاريخها وتوصيفها المجرد، هذه القصيدة لاتملك بتقديري تعريفا محددا يضعها خاضعة الى مقايسات اواشتغالات واجراءات صارمة. وهذا(اللاتوصيف) يمكن ان يجعلها(بنية مفتوحة) للاضافة واحتمال القراءة والاختلاف، انها قصيدة تخلو من الوزن، لكنها لاتخلو تماما من التركيب البصري والايقاع الذي تقنرحه بنية النص، بكل ما يقترحه الايقاع من تشكيلات بنائية بصرية ولغوية وحتى صرفية تضع الكتابة امام نقلات وتحويلات وظيفية، وعن تعيينات تتجاوز ما يقيد اسنادها كما يقول النحويون، او تشكيلات خارجية مفتوحة على وعد غير محدد من الصياغة. هذه التشكيلات تدخل في سياق النظر الى القصيدة اولا، والى اليات صناعة الايقاع التحويلي الذي يمكن ان يصير فضاء للنص، يرتبط بالصوت والتكرار المعنوي واللغوي والحركة والتضاد مثلما يرتبط بفكرة القافية التي اقترحها شاكر لعيبي والتي لايمكن تسطيح فكرتها باعتبارها سجعا او انها لعبة مجردة….
واحسب ان ماعمد اليه شاكر لعيبي في الانحياز الى هذه المغامرة، لايمكن قراءته خارج سياق قراءة تجربة شاكر لعيبي الشعرية وتعدد اشتغالاتها البنائية والبصرية والمعرفية، تلك التجربة التي قوامها فاعلية شعرية امتدت لاكثر من ثلاثين عاما، تمور بمستويات متعددة لتلك المغامرة، وبكل ما تفترضه من حيوية وضخب واسئلة، فضلا عن نزوعها الحميم للانتعاق عن مهيمنة التاريخ الطويل ل(الاثر) الذي ظل عالقا بكل ايقوناته كأنه الطبيعة الميتة.
قراءة شاكر لعيبي لايمكن ان تكون مجتزأة، ولايمكن مقاربتها في ضوء مجانسة لنصية تاريخية نعرف اشكالاتها واحكامها، او في ضوء قراءة(مقصودة بنوياها) تفتقر كثيرا لموجهات الوعي النظري بكل ما تقترحه اشكاليات قصيدة النثر وتشظياتها. لان اباحة النظر عبر هذا الوعي وحريته في الكشف والتصرف، وفي التعرّف على تعدد اتجاهاته وطروحاته المفهومية والاجرائية، يعني اتاحة المجال للمخيلة العارفة ليس لانتاج المزيد من المعاني والافكارالخاضعة لاحكام التداول، بل لانتاج الاشكال المحرضة على الاختلاف، تلك الاشكال التي لا تعني موت غيرها، لانها وليدة الحرية، والحرية بطبيعتها مولدة..لذا تبدو الكتابة عند شاكر لعيبي هي كتابة حرية داخلية، كتابة (مزاج)واعي، مزاج يحاول اشهار ما يملك من رعب وضجر وسأم داخلي، او ربما هو ينزع الى مواجهات حادة مع المألوف والمتداول، الى اشتباكات ممكنة، تحيله بالضرورة الى نوع من التقاطعات التي تتجاوز ما هو عفوي الى ما هو مقصود بوعيه. هذه القصدية تؤشر فاعلية تشكل الظواهر الصادمة والتي من شأنها ان تستجيب لخاصية الرؤية الشعرية التي تغري الشاعر بالكثير من(التخليق) والتجاوز، هذا التجاوز قد يبدو خروجا عن السياق، لكنه يبقى بتقديري واحد من علامات التعبير عن قوة التجربة وأثرها وعلامات ما تكشفه او تحدس به.
شاكر لعيبي يحرضنا على القراءة، قراءة الكشف والاستعادة عبرها كما يقصدها ريفاتير، تلك التي تقترح لها موجهات باعثة دوما على المزيد من التخيل، المزيد من الاقتحام، المزيد من مواجهة رعب التاريخ برعب التجاوز، مثلما هي محاولة في اقتراح الكتابة المبصرة…
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : طائرات من ورق | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر