لست سهلا ولا جبلا : إبراهيم نصرلله
كتبهافوضى ، في 18 نوفمبر 2008 الساعة: 20:04 م
العابر
لشَعْركَ ينظرُ الحلاّق حين تمرُّ مُنشغِلاً أمامَ البابْ
لنوْعِ قميصكَ الخياطْ
لطولكَ صاحبُ الحانوتْ
لشكْلكَ سائقُ التاكسي
لجيبكَ ينظرُ النشّالْ
لعنقكِ ينظرُ السَّيّافْ
لأنفكَ عالِمُ التجْميلْ
لسِحركَ تنظرُ المرأةْ
لضَوئكَ تنظرُ المرآةْ
طبيبُ العينِ للعينينِ
والشُّرَطيُّ للرُّسغينِ!
والعدَّاءُ للسَّاقينِ
والسَّبّاحُ للكتفينِ
والرُّقباءُ للشّفتينِ
لا يبقى للآسكافيِّ إلا جزمةٌ وحذاءْ!
لخطوك ينظر القَّصاصْ
لرأسكَ يُطلِقُ القنَّاصْ!
صــوتهم
لستُ سهلاً ولا جبلاً، قلتُ للريحِ
أو ولداً يتراكضُ خلفَكِ من نصفِ قرنٍ
ليهمسَ في أذنيكِ:
أَيا ريحُ هبّي هنا الآنَ أكثرْ
.. ..
لستُ زيتونةً فوق تلكَ التلالِ
تؤثثُ أحلامَها وهي تخضرُّ
تنمو بلا أيِّ خوفٍ من الغدِ
واثقةً بالهواء الأليفِ
وكلِّ الحنينِ إليها
الحنينِ البعيدِ المُبعثَرْ
.. ..
لستُ وردةَ هذا السِّياج الرّماديِّ
لا تتساءلُ: ما العُمْرُ ؟
واثقةً أنَّ كلَّ الذي حولها سوفَ يمضي إلى الملحِ
أو للترابِ
ولكنّها في فمِ النّحلِ سُكّرْ
.. ..
لستُ نافذةً تتطلّعُ للضوءِ إذ أعتمتْ غرفةٌ
ستضاءُ
بتنهيدةِ العاشقَينِ الصّغيريَنِ بعدَ قليلٍ
وتصبحُ أكبرْ !
.. ..
لستُ عصفورةً تتقلَّبُ في الجوِّ
تسخرُ من طائراتِ العدوِّ
وحينَ ترى طفلةً
لم ترَ الطيرَ من قبلُ
تهبطُ.. كي تتمخْطَرْ !
.. ..
لستُ أغنيةً تتسكَّعُ قربَ جدارِ الهزيمةِ
وهي ترددُ
سوفَ أعيشُ على كلماتي
كما عاش أطفالُ إمرأةٍ ذاتَ يومٍ
على وجبةٍ من حصىً
سأعيشُ إلى أن أراه حصىً يتبعثرْ
.. ..
لستُ ضحكةَ ذاك الفتى في الطريق إلى حفلةٍ للعذابِ
أُعِدَّتْ له في الظّلامِ
الظلامِ الذي كان قَفْراً وأصبحَ منتصفَ الليل أقْفَرَ أقْفَرْ
.. ..
لستُ أُمَّـاً تُعدِّدُ أبناءَها الشهداءَ
وتهمسُ للهِ:
كانَ الكبيرُ صغيراً على الموتِ
أما الصغيرُ فقد كان أصغَرْ !!
.. ..
لست (غَزْةَ) تبكي وتضحكُ في نصرِها
وقد اتَّسعتْ خطوتينِ
وضاقتْ طريقُ المُحَرِّرِ
نحو بقيتهِ
وفضاءُ المُحَرَّرْ
.. ..
لستُ.. لستَ.. ولسنا
ولكنه دائماً.. صوتهم
من بعيدٍ يجيءُ على ظهر ليل كجرح الصّدى
فأغنّي لهم
الغياب
هل تغيَّر إسمُكِ؟
ما وقْعُ خطْوكِ في الريح، فوق الترابِ؟!
هنا في غيابِ الغيابِ حضورٌ لضوءٍ كثيفٍ، وعتْمٍ تجلّى
هل تغير لونُكِ؟
قد قيلَ إنك أطولُ منّي قليلاً
وأنحلُ من حزن نايينِ في طرقاتِ المساءِ.. وأحلى!
وإن ابتساماتِكِ البيضَ أرحبُ من كلِّ شِعري وأصفى
وإنكِ لا تُغلقينَ الطريقَ إلى قمرٍ أو سماءٍ
وقد كان قلبُكِ منذ البداية روحاً،
وروحُك قلباً
وعيناكِ سهْلا
وإنكِ طيبةٌ كنهارٍ
وإن حياءكِ، من كلِّ أغنيةٍ في مديحكِ، أعلى
هل تغير اسمُكِ؟!
في اسمِنا بعضُ ما في خطانا إلى نفسنا
فيه نُولدُ حيناً
وحيناً يكون لنا الإسمُ أهْلا
إن رأيتكِ هلْ ستجيئينَ نحوي
و هل ستقودينَ خطويْ إلى ذكرياتيَ إن ضلَّ ظلِّي
وغادرني يتأبط ساعدَ غيري
ويغدو لذاكَ الغريبِ الذي مرَّ أصْلاً وفَصْلا؟!!
حلمتُ بما يحلم الحالمونَ
بنهر جمالٍ
وكوكبةٍ من حقولٍ تسيرُ إلى جانِبَيّ ْ
جانبيكِ هنا تتسابقُ جَذْلى
وبحرٍ إذا ما غمستِ أصابعَ رجليكِ فيهِ
وداعبتهِ يغمرُ الأرضَ عَدْلا
هل تغير إسمكِ؟!
كم عمركِ الآنَ؟
مَن أصدقاؤكِ؟
لم يُبقِ لي الدَّربُ عُشباً يحدّثني كلّما عمَّ صمتٌ
ولم يُبقِ لي شجراً أستظلُّ
ولم يُبقِ خِلاّ
بلغتُ مجاهلَ روحي
وحين رجعتُ
رأيتُ النذالةَ قد عُلِّقَتْ في الشوارعِ شمساً مطرَّزَةً والنبالةَ خفَّةَ عقْلٍ وجهْلا
وما من صديقٍ يصافحُ نُبلا
ولا من عدوٍّ يهابُكَ نَصْلا
كأن المدى دونَ لونٍ
كأن البسيطةَ أشباهُ موتىً وقَتْلى
كأني هنا شبهُ نفسي.. أقلُ،
وقد كنتُ كُلاّ
لستُ أعرف بعد ثلاثٍ وخمسين إن أقْبَلَ العمرُ أو كانَ ولَّى
كأنيَ من بعد عمريَ هذا
رحيقاً يُمَلَّحُ
مِلْحاً يُحلَّى!!
ملاحظات
لا أُصدِّقُ من سيموتُ
أُصدِّقُ من سوفَ يولَدْ
كلُّ ما قيلَ من قبلُ
ليس سوى هوةٍ في الكلامِ
ونافذةٍ لا تَرى أيَّ شيءٍ ونجمٍ مقيّدْ
لا أصدِّق سيدةً تتحدّثُ عن عاشقيها
أصدَّقُ من تنزوي في المساءِ
كأغنيةٍ تعبتْ من صدى خَطْوها في ممرِّ الجَمالِ
أصدِّقُ شَعرا كما ذيلِ مُهْر على عُنُقٍ أبيضٍ يتوقَّدْ
وفطرةَ نظرتِها وهْيَ تَعبُدُ أو وهْيَ تعبَدْ!
لا أُصدِّق هذا الحديدَ ولو صارَ عسجَدْ!
وأُصدِّق هذا الزواجَ المباركَ بين الحريرِ وبين الأنوثةِ
إذ يتجسَّدْ
قمراً ههنا، موجةً ههناكَ،
وفي الرّوح مَعْبَدْ
وأصدِّق ما لم تقلْهُ الحديقةُ
للورْدِ بعد تفتُّحهِ
للأراملِ في باحةِ الأربعينَ
لنهدٍّ كرمانةٍ يتصدَّعُ من شوقهِ لشفاهٍ ويَدْ
وأصدِّق في كلِّ طير يطيرُ
ارتباكَ الجناحِ أمامَ نوافذَ مغلقةٍ وعجوزٍ تموتُ بلا ضجةٍ فوق مقعَدْ
وأصدِّق في الغربِ حزن الهنود على خيلِهمْ
وجواميسِهمْ
لا الفضاءَ المُعبَّدْ
وفي الشَّرقِ ما كان أصفى وأبسطَ، أعلى، وأبعدْ
لا أصدِّقُ إحدى وعشرين طلقةَ نارٍ
على قبرِ هذا الشهيدِ
هناكَ ثلاثونَ في صدرهِ
لا أصدِّق أعينَ قاتلهِ في الجنازةِ تبكي وتحكي وتَشْهَدْ!
لا أصدِّق غير عيونِ ابنتيهِ وزوجتهِ
والفراغِ الذي يتكاثرُ في غرفِ البيتِ
في صمتهنَّ وصورتهِ
وتردُّدِ خُفَّيهِ تحتَ السَّريرِ أمام ارتباكِ منامتهِ
قلبُ هذي الليالي كما الليل أسودْ!
لا أصدِّقُ كلباً ولا جنرالاً
أصدِّقُ وجْهَ قتيلٍ تعدَّدْ
لا أصدِّق هذي البلادَ
ولا كلَّ من يحملُ آسْمَ سعيدٍ
وعاشَ حزيناً
فأنجبَ طفلاً وسمّاه أسعدْ!!
لا أُصدِّقُ، بل سأُصدّق نفسي
إذا ما وعدتُ بأن أتعقِّل أكثرَ من كلِّ هذا!!
وأحيا أنيساً، هنا في الخرابِ، كعاصفةٍ
وبريئاً، هنالك في غابتي، مثل فهدْ!!
القبرة
نصفُ روحيَ كانتْ ولمّا تزلْ هذه القُبَّرةْ
عَدَوْنا معاً في السهولِ وطِرْنا
وعلَّمتُها حِيَلاً ليسَ تعرفُها القبَّراتُ
كما علَّمتْني دروبَ النجاةِ
وسرنا يداً بجناحٍ معاً دون خوفٍ
على أعينِ الكلبِ والضَّبعِ والثَّعلبِ المترقِّبِ والظُّلماتِ
كتبْنا على الرَّملِ شيئاً وفي أُفق ضيِّقٍ
قد رسمْنا
نجوماً، وأكثرَ من ألفِ شمسٍ
بلاداً بلا عسكرٍ وطغاةِ
وكنّا طريينِ أعرف هذا
ولكننا حين نحلمُ نخرجُ للفلواتِ
نُحدِّقُ في الأرضِ ندعو الجهاتِ:
لكِ الشمسُ أنتِ!!
وأنتِ لكِ البحرُ !
أنتِ النجومُ!
وأنتِ لكِ الريحُ
نُعطي
ونأخذُ ما قد تبقَّى: الحياة التي امتلأتْ بالحياةِ
فنلعبُ في النِّيل حيْناً
وحيْناً نطيرُ به لضفافِ الفُراتِ
ونحملُ بغدادَ حتى الجزائرَ
بيروتَ حتى أثينا
وروما إلى القُدْسِ
أَصْلُ المدائنِ زيتونةٌ كَبُرتْ في الصَّلاةِ
نصفُ روحيَ كانت ولما تزلْ هذه القبَّرةْ
إنْ على قُبَّةٍ غرَّدتْ أو على كتفٍ عشَّشتْ
أو على حجرٍ قانعٍ، بيَّتتْ، في الفلاةِ
لا يراها سوى من رأى روحَهُ
فوق رأسي تُحَوِّمُ، تعلو، وتهبطُ
أما إذا حلَّقَتْ في البعيد فأهمسُ:
إن الزمانَ تغيَّر فانتبهي يا فتاتي!!
‘ شاعر من الاردن، وهذه القصائد من ديوان جديد
بعنوان (لو أنني كنت مايسترو) يصدر قريبا عن الدار العربية للعلوم بيروت، ومنشورات الاختلاف ـ الجزائر ودار مكتبة كل شيء ـ فلسطين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : الأزرق يعلو | السمات:الأزرق يعلو
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج























